أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

355

العقد الفريد

يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم ، إنّ زلزلة السّاعة شيء عظيم ! إن اللّه قد أوضح لكم الحق ، وأبان الدليل ، وبين السبيل ، ورفع العلم ، ولم يدعكم في عماء مدلهمة : فأين تريدون رحمكم اللّه ؟ أفرارا عن أمير المؤمنين ، أو فرارا من الزحف ، أم رغبة عن الإسلام ، أم ارتدادا عن الحق ؟ أما سمعتم اللّه جل ثناؤه يقول : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ « 1 » . ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول : اللهم قد عيل الصبر ، وضعف اليقين ، وانتشرت الرعبة ، وبيدك يا ربّ أزمّة القلوب ، فاجمع اللهم بها الكلمة على التقوى ، وألف القلوب على الهدى ، وأردد الحق إلى أهله . هلمّوا رحمكم اللّه إلى الإمام العادل والرضيّ التقيّ ، والصديق الأكبر ؛ إنها إحن بدرية ، وأحقاد جاهلية ، وضغائن أحدية وثب بها واثب حين الغفلة ، ليدرك ثارات بني عبد شمس . ثم قالت : فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ « 2 » . صبرا يا معشر المهاجرين والأنصار ، قاتلوا على بصيرة من ربكم ، وثبات من دينكم ؛ فكأني بكم غدا ولقد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة ، فرّت من قسورة « 3 » ، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض ، باعوا الآخرة بالدنيا ، واشتروا الضلالة بالهدى وباعوا البصيرة بالعمى وعما قليل ليصبحنّ نادمين ، حتى تحلّ بهم الندامة فيطلبون الإقالة ، ولات حين مناص . إنه من ضلّ واللّه عن الحق وقع في الباطل . ألا إن أولياء اللّه استصغروا عمر الدنيا فرفضوها ، واستطابوا الآخرة فسعوا لها فاللّه اللّه أيها الناس ، قبل أن تبطل الحقوق ، وتعطّل الحدود ، ويظهر الظالمون ، وتقوى كلمة الشيطان ؛ فإلى أين تريدون رحمكم اللّه عن ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصهره وأبي سبطيه ، خلق من طينته ، وتقرّع من نبعته « 4 » ، وخصّه بسرّه ، وجعله باب مدينته ، وأعلم بحبه المسلمين ، وأبان ببغضه المنافقين ؛ ها هو ذا مفلق الهام ، ومكسّر الأصنام ؛ صلى

--> ( 1 ) سورة محمد الآية 31 . ( 2 ) سورة التوبة الآية 12 . ( 3 ) القسورة : الأسود . ( 4 ) النبعة : الأصل والشجرة .